الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
221
مناهل العرفان في علوم القرآن
وإذا افترضنا أن بليغا كتب له التوفيق بين هاتين الغايتين - وهما القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى - في جملة أو جملتين من كلامه ، فإن الكلال والإعياء لا بد لاحقا به في بقية هذا الكلام ، وندر أن يصادفه هذا التوفيق مرة ثانية ، إلا في الفينة بعد الفينة ، كما تصادف الإنسان قطعة من الذهب أو الماس في الحين بعد الحين ، وهو يبحث في التراب أو ينقب بين الصخور . وإن كنت في شك فسائل أئمة البيان وصيارفته : هل ظفرتم بقطعة من النثر ، أو بقصيدة من الشعر ، كانت كلها أو أكثرها جامعا بين وفاء المعنى وقصد اللفظ ؟ . ها هم أولاء يعلنون حكمهم صريحا بأن أبرع الشعراء لم يكتب له التبريز والإجادة ، والجمع بين المعنى الناصع واللفظ الجامع إلا في أبيات معدودة من قصائد محدودة أما سائر شعرهم بعد ، فبين متوسط وردئ . وها هم أولاء يعلنون حكمهم هذا نفسه أو أقل منه ، على الناثرين من الخطباء والكتاب . وإن أردت أن تلمس بيدك هذه الخاصة ، فافتح المصحف الشريف مرة ، واعمد إلى جملة من كتاب اللّه ، وأحصها عددا ، ثم خذ بعدد تلك الكلمات من أي كلام آخر ، وقارن بين الجملتين ، ووازن بين الكلامين ، وانظر أيهما أملأ بالمعاني مع القصد في الألفاظ ؟ ثم انظر أي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها بما هو خير منها في ذلك الكلام الإلهى ؟ وكم كلمة يجب أن تسقطها أو تبدلها في ذلك الكلام البشرى ؟ إنك إذا حاولت هذه المحاولة ، فستنتهى إلى هذه الحقيقة التي أعلنها ابن عطية فيما يحكى السيوطي عنه وهو يتحدث عن القرآن الكريم إذ يقول : لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد » اه . وذلك بخلاف كلام الناس مهما سما وعلا ، حتى كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي أوتى جوامع الكلم ، وأشرقت نفسه بنور النبوة والوحي ، وصيغ على أكمل ما خلق اللّه ، فإنه مع تحليقه في سماء البيان ، وسموه على كلام كل إنسان ، لا يزال هناك بون بعيد بينه وبين القرآن . وسبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم ! .